أرسطو

27

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

أقول : إن علم الأخلاق على النحو الذي ذكرته هو وحده الحق ، وإن كل ما حاد عن هذا النحو بالطل . إن فيه الكفاية من حيث أنه يفسر معنى الانسان ومن حيث أنه يهديه إلى سواء السبيل . إنه ليضع الإنسان في أوج كماله الحقيقي فوق جميع الموجودات المحيطة به وتحت عرش اللّه . انه لا يعظّم الانسان ولكنه مع ذلك لا يحط من قدره . يخضعه إلى قانون حكيم آمر بالمعروف ولكنه مع ذلك يعترف له بحرّيته إن لم يكن باستقلاله . وصفوة القول أنه طريق الانسان إلى الخلاص إذا استمسك به ، غير أن هذا العلم لا يخدع على مركزه ، فإنه إذا كان يحس بأهميته ، فإنه يحس أيضا بحدوده . وليس لأنه قد ينجح في هدى بعض الأفراد يتشبث بتلك الدعوى العريضة وهو أنه يستطيع أن يحكم الأمم . على أنه لا يمكن أن يوجد للأخلاق قانونان اثنان . وإن من البين أن السياسة خاضعة للشرائط التي يخضع لها علم الأخلاق الخاص بالفرد . ولا تتغير المبادئ عندما تطبق على الأمّة . غير أنه في تلك الهيئات الكبيرة التي تحتوى جماعات لا تحصى ، والتي لها عوامل متعقدة تكون الحياة الأخلاقية أكثر إبهاما وأشدّ صعوبة منها وهي على المسرح الضيق لضمير الفرد . ان السياسة لم تكد ترتقى حتى الآن عن مستوى المنفعة ولم تكن لتتطلع إلى مستوى أعلى منه ، فان الغرض المألوف لرجال السياسة إنما هو خدمة الأمّة التي يتولون زعامتها . خدمتها بأي ثمن ولو ضحوا في ذلك بالعدل وبالخير ، أعنى تنمية قوّتها وسلطانها وثروتها وأمنها وشرفها . وعلى الوصول إلى هذا الغرض يقفون عبقريتهم وعليه يعلقون مجدهم . وقد تختلف الوسائل التي يتخذونها لهذا الغرض باختلاف الأزمان . على أن من غمط التمدن حقه أن لا يعترف بأن هذه الوسائل آخذة في التحسن . غير أن السياسة لمّا تزل على بعد شاسع من مبدأ الخير المقرّر في قانون الأخلاق . فكم من طرق وعرة لا بدّ للسياسة